ابن كثير
8
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أحمد « 1 » عن أسود بن عامر عن شريك عن محمد بياع الملاء عن أبيه عن أبي هريرة فذكره . وقد روي من حديث جابر نحو هذا ، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمار ، حدثنا عبد ربه بن صالح عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : لما نزلت إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ذكر فيها ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال عمر : يا رسول اللّه ثلة من الأولين وقليل منا ؟ قال : فأمسك آخر السورة سنة ثم نزل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل اللّه ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ألا وإن من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة ، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسنادا ومتنا ، ولكن في إسناده نظر ، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة » الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة ، وللّه الحمد والمنة . وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر بل هو قول ضعيف ، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن ، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها ، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة ، والظاهر أن لمقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم واللّه أعلم . فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح ، هو أن يكون المراد بقوله تعالى : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أي من صدر هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أي من هذه الأمة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عفان ، حدثنا عبد اللّه بن بكر المزني ، سمعت الحسن أتى على هذه الآية وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فقال : ما السابقون فقد مضوا ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين . ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو لوليد ، حدثنا السري بن يحيى قال : قرأ الحسن وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة . وحدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري حدثنا أبو هلال عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال : كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة ، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة ، ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها ، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها ، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » « 2 » الحديث بتمامه .
--> ( 1 ) المسند : 2 / 391 . ( 2 ) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم باب 1 ، والترمذي في الفتن باب 45 ، وابن ماجة في الأحكام باب 27 ، وأحمد في المسند 1 / 378 .